ابن عربي
78
كتاب الحجب
فاعلم أن الحجب على أنواع : ( حجب كيانية ) بين الأكوان ، مثل قوله تعالى : فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ « 1 » ومنها : ( حجب احتجبت بها الخلق عن اللّه ) مثل قوله : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ « 2 » ومنها : ( حجب احتجب بها اللّه عن خلقه ) مثل قوله ( صلى اللّه عليه وسلم ) : ( إن اللّه يتجلى يوم القيامة لعباده ليس بينه وبينهم إلا رداء الكبرياء على وجهه ) « 3 » وفي رواية : ( بينه وبين خلقه ثلاثة حجب ) « 4 » أو كما قال . ومنها : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ « 5 » كما كلم موسى عليه السلام من حجاب النار ، والشجرة ، وشاطئ الوادي الأيمن ، وجانب الطور الأيمن ، وفي البقعة المباركة ، وكما قال تعالى : فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ « 6 » فكلم اللّه المستجير من خلف حجاب محمد ( صلى اللّه عليه وسلم ) إذ كان هو عين الحجاب لأن المستجير من المشركين منه سمع كلام اللّه فلا نشك أن اللّه كلمنا على لسان رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) وكما أيضا كلمنا من وراء حجاب المصلي إذا قال : " سمع اللّه لمن حمده " . فألسنة العالم كلها أقوال اللّه ، وتقسيمها للّه فيضيف إلى نفسه منها ما شاء ويترك منها ما شاء . فأما الحجب الكيانية التي بين الأكوان فمنها : جنن ووقايات . ومنها : عزة وحمايات . كاحتجاب الملوك ، وحجاب الغيرة على من يغار عليه ، كما قال في ذوات الخدور : هن المحتجبات .
--> ( 1 ) الآية رقم ( 53 ) من سورة الأحزاب ( 2 ) الآية رقم ( 5 ) من سورة فصّلت ( 3 ) الحديث ( إن اللّه يتجلى يوم القيامة لعباده . . . ) ن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن . إسناده صحيح على شرط الشيخين وقد أخرجاه . والحديث خرجته في الضعيفة 3465 لزيادة وردت في بعض الإشارة تفرد بها بعض الضعفاء فراجعه إن شئت . انظر : ابن أبي عاصم : السنة 1 / 272 ( 4 ) حديث : ( بينه وبين خلقه ثلاثة حجب ) . لم أقف على هذه الرواية . ( 5 ) الآية رقم ( 51 ) من سورة الشورى ( 6 ) الآية رقم ( 6 ) من سورة التوبة